اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
321
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
بعدد من الجغرافيين المعروفين لنا بل في زيارة أضرحة الأولياء والمقامات الكثيرة التي سمع بها . وهذه التجوالات تقف أنموذجا حيا لتلك الرياضة الروحية التي سيطرت بمرور الزمن على دوائر عديدة والتي عرضها لنا بالكثير من المهارة جولدتسهر Goldziher 39 . وفي أواخر أيام حياته تمتع الهروي بنفوذ كبير لدى والى حلب وهو أحد أبناء صلاح الدين الأيوبي ، وشيد له الأمير مدرسة توفى بها ؛ وقد رأى قبره ابن خلكان 40 . ونظرا لأنه اتخذ في تجواله مسوح صوفي متسول فقد استطاع أن يحصل على ما يقيم أوده في الطريق مستغلا في ذلك أحيانا معرفته بالسحر وجميع ضروب المخاريق . ويبدو اهتمامه بعرض الدنيا أنه كتب اسمه أو نقشه في كل مكان زاره ، وقد أبصر ابن خلكان بعيني رأسه أمثلة لذلك بعد نصف قرن من هذا 41 . وعلى أية حال فقد كان الهروي كاتبا نقالة يرتبط اسمه - - ببعض المصنفات تارة من طراز « كتب الزيارات » المعروفة لنا وهي أشبه بمرشد للحجاج ، وطورا من طراز آخر معروف لنا أيضا وهو طراز « العجائب » . وأشهر مصنفاته « كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات » الذي وإن لم يطبع إلى الآن « * » إلا أن الاقتباسات والترجمات العديدة منه تسمح بتكوين فكرة صحيحة عنه 42 . وتحيط بالكتاب ظاهرة فريدة هي أن المؤلف اعتمد على ذاكرته اعتمادا تاما أثناء تدوينه له ، ذلك أن الجانب الأكبر من أوراق الهروي ومدوناته فقد أثناء كارثة حلت بسفينته قرب عكا في عام 1192 ؛ وهو يستدرك على نفسه أحيانا بقوله إن معلوماته عن بعض الأماكن التي لم يستطع زيارتها شخصيا قد أخذها ممن زاروها . وقد بدأ الهروي تجواله من حلب فكانت الشام أولى الأقطار التي زارها ووصفها ، وقد حدث هذا بعد أعوام قليلة من زيارة ابن جبير . وأقام أثناء 1173 - 1174 ببيت المقدس تحت سلطان الصليبيين ، وهنا تظهر لنا جدوى اهتمامه بالنقوش فقد دون نقوشا ذات قيمة تاريخية كانت بمسجد عمر واختفت بعد ذلك . وزار على ممر الوقت أضرحة الأولياء وأماكن العبادة المعروفة بمصر وبلاد ق العرب والعرا وإيران والهند كما زار أيضا أراضي الدولة البيزنطية والقسطنطينية في عهد الإمبراطور مانويل الأول من آل كومنين ( 1143 - 1180 ) وجرت له محادثة مع الإمبراطور كما يزعم . وفي صقلية سنحت له فرصة مراقبة ثوران بركان اتنا Etna في عام 1175 ؛ وهو وإن لم يزر الحبشة إلا أنه وصف الأماكن المشهورة بها عمن زاروا تلك البلاد . وقد أسفر تحليل نقاط مختلفة من كتاب أنه لا يجب رفض مادة الهروي بحجة أنه رجل سهل التصديق لما يقال ومخادع ؛ وهذا هو موقف كاتب جغرافى واسع الاطلاع لا يخلو من الحذر مثل ياقوت . فهو رغما من أنه يشير إلى اسمه مرتين فقط 43 إلا أنه كما ثبت من البحث الذي قام به بلوخ Bloch قد رجع إليه فيما يقرب من ثمانين مرة أمكن تحديدها بدقة تامة . والواقع أن ما نقله ياقوت عن الهروي يفوق
--> ( * ) نشره المعهد الفرنسي بدمشق سنة 1953 بعناية جانين سورديل تومين Janine Sourdel - Thomine . ( المترجم )